أثر الأدب المشرقي في الأدب الأندلسي (1) ، تاريخ الأدب الأندلسي ‏الفرقة الثالثة 2022

تأثير الأدب المشرقي في الأدب الأندلسي (*)

أثر الأدب المشرقي في الأدب الأندلسي (1) ، تاريخ الأدب الأندلسي ‏الفرقة الثالثة 2022


***

مما لا شك فيه أن أدب أي أمة هو نتاج بيئته التي نشأ فيها، وتشكل بها، ثم هو ثمرة من ثمار الظروف السياسية، والاجتماعية، والثقافية لتلك البيئة، إضافة إلى مواقف الأديب الخاصة من تلك الروافد .

ولم يكن الأدب الأندلسي بدعا بين آداب الأمم، فقد كانت له بيئة نشأ فيها وروافد غذت عقول ومشاعر أدبائه، ثم هو لم يكن بمعزل عن التأثر بالبيئات المجاورة، أو بالأحداث التي عاشتها، وعانتها الأندلس. 

وعلى ذلك يمكن القول: إن الأدب الأندلسي شأنه شأن أي أدب في أي أمة، في أي إقليم، من حيث توافر عوامل نتاجه ونشأته.


* اذكر آراء الدارسين في ذلك ؟

أ- الرؤية السلبية ؟

ومن ثم فهو أدب جدير بالدراسة، حقيق بالتحقيق فيه، غير أن اللافت للنظر أن حظ الأدب الأندلسي من الدراسة لم يكن على الدرجة التي تليق به،

1- وقد أشار إلى ذلك الدكتور أحمد هيكل في قوله: "لقد لقي الأدب الأندلسي كثيرا من إهمال الدارسين في عالمنا العربي، مع وفرة وجودة ما كتبوا عن أدب المشرق، منذ جاهليته إلى عصره الحديث ... 

وقد يكون إعراض بعض هؤلاء عن درس الأدب الأندلسي بحجة أنه لم يأت بجديد، وأنه ليس إلا صورة للأدب المشرقي، أو محاكاة له"(1).

------------------------

(*) بقلم الأستاذ الدكتور/ عبده إبراهيم.


2-كذلك يرى الدكتور شوقي ضيف تبعية الأدب الأندلسي للأدب المشرقي حيث يقول: "ونحن لا نبالغ إذا قلنا بأن شخصية الأندلس في الأدب العربي ليست من القوة كما ينبغي، وخاصة إذا أهملنا جانب البيئة، فمما لا شك فيه أن هذا الجانب أثر أثرا واضحا في طبيعة الأدب الأندلسي شعره ونثره، غير أننا إذا تركنا هذا الجانب ...

 لم نكد نجد شيئًا آخر، فقد كانت الكتلة الأندلسية تنساق نحو تقليد المشرق بكل ما فيه، وحتى شعر الطبيعة عندهم لم يأتوا فيه بجديد سوى الكثرة، أما بعد ذلك فصورته كله بما فيها من أفكار، وأخيلة، وأساليب هي الصورة المشرقية ... وإن الإنسان ليخيل إليه أن الأندلس كانت تقلد المشرق في جميع جوانب الحياة". (2)

وفي موضع آخر يقول: "وإذا تركنا الحياة العقلية في الأندلس إلى الحياة الأدبية وجدنا ظاهرة التقليد للمشرق واضحة جلية، إذ تصاغ الكتب الأدبية عند الأندلسيين على شكل الكتب الأدبية عند المشارقة، يصاغ "العقد الفريد" على شاكلة "عيون الأخبار"، 

ويصاغ كتاب "الحدائق" لابن فرج الجياني في أهل زمانه على شكل كتاب "الزهرة" للأصبهاني، ويصاغ كتاب "الذخيرة" لابن بسام على شكل كتاب "اليتيمة" للثعالبي، والحق أن الحركة  الأدبية في الأندلس صيغت صياغة على شكل الحركة الأدبية في المشرق". (3)

---------------------------

(1) الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، د. أحمد هيكل، ص 5.

(2) الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د. شوقي ضيف، ص ٤١٢.

(3) السابق: ص 415.

* خلاصة القول :

ويصل في النهاية إلى القول: "والحق أنه ينبغي أن لا نتعلق بالفكرة الشائعة من أن الأندلس كان لها شخصية واضحة في تاريخ الشعر العربي، فإن هذه الشخصية تنحصر في كثرة الإنتاج، وخاصة في شعر الطبيعة، أما بعد ذلك فالأندلس تستعير من المشرق موضوعات شعرها، ومعانيه، وصوره وأساليبه، 

وكل ما يتصل به استعارة تكاد تكون طبق الأصل ...  فقد استقر في أذهان الشعراء أن خير عصور الشعر وأزهاها هو العصر العباسي وما ينطوي فيه من شعراء عظام...... فذهبوا يقرؤون لهؤلاء الشعراء وأمثالهم، ثم أخذوا يحاكونهم دون أن يفهموا مذاهبهم فهما واضحا، أو يعرفوا ما بين هذه المذاهب من مفارق واسعة". (1)

3- وعلى الشاكلة نفسها يقرر الأستاذ/ أحمد حسن الزيات أن الأدب الأندلسي صورة مكرورة من الأدب المشرقي، فهم وإن تأنقوا في ألفاظه، وتفوقوا في معانيه، ونؤعوا في قوافيه، وتفننوا في خياله، 

ودبجوه تدبيج الزهر، وسلسلوه سلسلة النهر......إلا أن شعرهم على الجملة- جار مجرى الشعر المشرقي، فلم تبعد حدوده، ولم تكسر قيوده إلا بمقدار ما ذكرناه من ابتداع الموشح وتنويع القافية (2).

--------------------------

(1) الفن ومذاهبه في الشعر العربي، د. شوقي ضيف، ص 438-439.

(2) تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، ص۲۹۳.


4- كما يؤكد الدكتور/ جودت الركابي على أن الأندلسيين كانوا في آدابهم مقلدين للمشارقة، لأنهم كانوا يرون فيهم المثل الأعلى لشعرهم وأدبهم، ويجدونهم منبع علومهم وآدابهم وفنونهم،

 وقد ظلت معاني الشعر الأندلسي سطحية ليس فيها إكثار من الحكم، وطرق المعاني الفلسفية؛ لعدم إقبال الشعراء والأدباء على الفلسفة العقلية، ولانصرافهم على اللهو والحياة السهلة (1).

تعليقا على ذلك :

موقفي من الآراء السابقة :

إن المتأمل في الآراء السابقة يلحظ أنها تتشابه في الحكم، وأنها تكاد تتفق على أن الأندلسيين مجرد مقلدين للمشارقة، أما حجج هؤلاء فلا قرينة تقويها، ولا برهان يساندها، مما يدل على اكتفاء اللاحق برأي السابق دون النظر والتدقيق في الأدب الأندلسي ذاته.

رأي ابن بسام في ذلك :

علام اعتمدوا ( السابق واللاحق) ؟

ولعل قول "ابن بسام" قد دفع السابق واللاحق إلى إصدار مثل هذه الأحكام حيث يقول: 

"إن أهل هذا الأفق- يعني الأندلس- أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما"(٢).

 وإذا كان معظم الدارسين قد رأوا في الشعر الأندلسي صورة مكرورة من الشعر المشرقي، فإن بعضا منهم رأوا فيه صورة جديدة تغاير الشعر المشرقي، 

* وكما اتسمت آراء الفريق الأول بالتعميم، وقلة التدليل، وجاوزت حد المبالغة في الأحكام، فإن أصحاب الرأي الآخر لم يفلتوا من ذلك.


المصادر والمراجع :

------------------------------------

(1) في الأدب الأندلسي، د. جودت الركابي، ص59.

(2) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام: ۲/۱.


قد يعجبك هذا أيضا :
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-