تابع صفات الباحث الجيد - صفات الباحث ۲ ، قاعة البحث الأدبي الفرقة الأولى 2022

صفات الباحث الجيد

صفات الباحث الجيد - صفات الباحث التواضع  الالتزام بالأخلاق الفاضلة  التشكك  الإحاطة بمناهج البحث  حب العلم والتلذذ به

تابع صفات الباحث الناجح ج2

5-حب العلم والتلذذ به :

ينبغي على الباحث أن يكون محبا للعلم، متلذذا به لا يشعر بضيق منه مهما طال به طريق العلم ومهما كان صعبا عليه حتى يستطيع أن يقدم بحوثا جديدة، مفيدة ونافعة، فالإنسان لا يجيد في أي مجال إلا إذا كان محبا لهذا المجال، مقبلا عليه، وهكذا في مجال البحث لن يجيد فيه الباحث إلا إذا كان محبا له .

«ولا شك أن حب العلم يفتح مدارك العقل ويجعله مضيئا بمصابيح لا ينضب نورها ، كما أنه يحبب الإنسان في الاطلاع والاستزادة دون ملل أو سأم، والتلذذ بالعلم درجة من درجات الرقي والكمال التي لا يرقى إليها إلا الخاصة ، يروي الماوردي أن بعض المتعلمين وقف بباب عالم ...

ثم نادى : تصدقوا علينا بما لا يتعب ضرسا ولا يسقم نفسا، فأخرج له طعاما ونفقة ، فقال : فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم، إني طالب هدى، ولست سائلا ندى، فأذن له العالم وأفاده عن كل ما سأل عنه، فخرج جزلًا فرخا وهو يقول: علم أوضح لبسا خير من مال أغنى نفسا» (۱).

6-الإحاطة بمناهج البحث :

من الصفات المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث، إحاطته بمناهج البحث، ومقومات كل منهج منها وما بينها من اختلافات حتى يستطيع أن يحدد لنفسه المنهج الذي يتلاءم مع موضوعه والذي سيسير على أسسه في دراسة موضوعه.

لابد أن يكون لدى الباحث دراية تامة بمقومات المنهج الفني والمنهج النفسي، والمنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي والمنهج الجمالي والمنهج التكاملي ( الذي يجمع المناهج السابقة في إطاره) وغيرها ، 

وهي مناهج بحثية أكثر منها نقدية، يطبقها الباحث في بحثه، قد يلتزم بأحدها أو بعضها، وقد تقتضي طبيعة الدراسة خضوع الباحث لهذه المناهج كلها. 

كل في موضعه المناسب من البحث. 

وإذا لم تكن لدى الباحث دراية بطبيعة هذه المناهج ومقوماتها فسيخلط بين الأمور ويخرج بحثه مشوشا. 


ومعروف أن المنهج هو الطريقة التي يعالج بها الباحث خطة البحث، ويعرض بها قضاياه وعناصره.

وعليه لابد للباحث أن يكون عالما بمناهج البحث المختلفة، حتى يستطيع أن يخضع مادة بحثه لهذا المنهج أو ذاك، وأن يغير في منهج بحثه الخاص حسبما تقتضيه طبيعة السير فيه ، بما يحقق الفائدة المرجوة والنتائج المنشودة.

-----------------------------

(۱) أضواء على البحث العلمي وقواعده ، ص۱۹ ، وانظر : أدب الدنيا والدین ، ص۱۷.

ولا يظن الباحث - كما يفعل بعض الدارسين وينص على ذلك في مقدمة بحثه - أن منهج البحث يقتصر على جمع المادة ثم وضعها في أبواب وفصول متناسقة، ثم يفصل القول في تلك الأبواب والفصول في مقدمة البحث، فهذه خطة البحث وليست منهجه، إنما المنهج شيء آخر كما أشرنا ، وسنفصل القول في مناهج البحث في مكان آخر.

7-التشكك :

ولا نعني به التردد القائم على الوسواس والاضطراب النفسي عند الباحث، فلا يستطيع القطع بحكم في قضية، وإنما المقصود بالتشكك هنا ألا يسلم بنتيجة توصل إليها من أول الأمر، وإنما يشك في صحتها فيدرس ويناقش ويحلل ليتأكد من صحتها قبل تسجيلها.

ويقصد به كذلك ألا يأخذ الباحث آراء الآخرين على أنها قضايا مسلمة، كأن يقف الباحث أمام رأي كاتب كبير ويسلم به دون مناقشة بل عليه التشكك والمناقشة للوصول إلى الحقيقة والصواب، بموافقة صاحب الرأي أو مخالفته مع ذكر الأسباب.

فالباحث هنا مطالب « بألا يأخذ آراء الغير على أنها حقيقة مسلّم بها. فكثير من الآراء بني على أساس غير سليم فليدرس الباحث آراء غيره ودعائمها، فيقر منها ما يتضح له صحته، ويرد ما لم يكن قوي الدعائم » (1) .

فلا يقال : هذا باحث كبير، أو ذاك عالم مشهور، بل عليه أن يدقق في آرائهم وأفكارهم فقد يصوب خطأ وقع فيه أحد الباحثين الكبار أو عالم مشهور عن طريق الحجة القوية، والدليل المقنع والبرهان الساطع فلا أحد من البشر معصوم من الخطأ.

وبذلك النهج العلمي « يهيئ الباحث لنفسه التخلص من الخضوع والانقياد لأفكار الباحثين السابقين له نافذا إلى عالم حر في البحث فهو لا يدون ما دونه السابقون - شأنه شأن آلة التصوير الحديثة دون أي مناقشة أو محاولة للتحوير والتعديل، بل هو يدون أفكارهم ولكن ليناقشها وليضيف بجانبها أفكاره،

فهو ليس عبدا مسخرا لغيره بل هو صاحب عقل حر مستقل، له شخصيته وله طموحه ومحاولته الجادة في أن يشارك غيره من الباحثين آراءهم وألا يكون نسخة ممسوخة أو مشوهة لهم، يعيش على فتات ما سجلوه من أفكار وآراء، ومن أخطر الأشياء أن يبدأ الباحث حياته عالة على غيره من الباحثين الذين سبقوه فإن ذلك خاصة من خواص بحوثه،

ولا يستطيع فيما بعد أن يتحول باحثا بالمعنى الدقيق لكلمة باحث، فقد انطبع بطوابع التبعية لغيره ولم يعد يشعر لنفسه بوجود حقيقي، فوجوده دائما تابع لوجود غيره كوجود النباتات المتسلقة على الأشجار الشامخة » (2).

---------------------------------

(1) كيف تكتب بحثا أو رسالة ، ص15.

(2) البحث الأدبي ، د.شوقي ضيف ، ص18.

ولا شك في أن « من أساسيات البحث الشك في كل ما يتوصل إليه من نتائج أو حقائق، فهذا يدفعه إلى مراجعة نفسه مرة بعد أخرى ومراجعة مصادره كذلك ليصل إلى درجة اليقين، وقديما قالوا: الشك خير موصل إلى الحقيقة، ورحم الله أبا حامد الغزالي فقد كان يقول: « إن الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في الغي والضلال » .

والشك العلمي شيء يخالف التردد الذي يبتلى به بعض الناس لأن الشك العلمي الذي نقصده ظاهرة صحية يتمتع بها الباحث تعينه على التثبت من كل ما يقرأ، ومراجعة كل ما يصل إليه من نتائج» (1) .

8- الالتزام بالأخلاق الفاضلة :

الالتزام بالأخلاق الفاضلة أخلاق العلماء التي ينبغي أن تتوافر فيهم صفة ينبغي أن يتحلى بها الباحث لينال ثقة الآخرين في فكره وعلمه وتحقيق بحوثه مكانة عالية، فلا يدفعه علمه الغزير إلى غرور أو كبرياء، وإلا حكم على نفسه بالفشل الذريع، والفناء السريع.

« فالعالم الذي لم يستفد بعلمه خلقا فاضلا ولم تظهر ثمرته في مسلكه وتصرفه هو بعيد كل البعد عن لب العلم وجوهره لأن العلم لم يمس شغاف قلبه، وقد شبه الله تعالى اليهود في علمهم بالتوراة ولم يعملوا بها، ولم يستفيدوا بما عملوا بالحمار يحمل الكتب النافعة والأسفار العظيمة، ولا يعرف ماذا يحمل وذلك في قوله تعالى :

 { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا } (2). 

وصدق الشاعر إذ يقول :

لا تحسبن العلـم ينفـع وحـده

 مـا لـم يـتـوج ربـه بـخـلاق


والعلـم إن لم تكتنفـه شـمـائل 

تعليـه كـان مطيـة الإخفـاق

-----------------------------------

(1) أضواء على أسس البحث العلمي وقواعده ، ص۲۳.

(2) سورة الجمعة : من الآية (5).

  • التواضع :

ومن أهم الأخلاق التي يتحلى بها الباحث التواضع وعدم الإصرار على الخطا، فالتواضع من أهم الصفات التي يتحلى بها الباحث، لأن التواضع عطوف، والعجب منفر، وهو بكل أحد قبيح وبالعلماء أقبح، لأن الناس بهم مقتدون،

 ولأن في التواضع مراجعة للنفس وخضوعا للحق وفي الكبر تعمية وإضلالا، وبعدا عن طريق الصواب ، فالباحث والعالم كلاهما زينتهما في التواضع ولين الجانب، لا في الشكل والملبس ،ومن ثمارالتواضع أنه يدفع الباحث إلى تصحيح خطأ وقع دون ترفع أو مكابرة، فهو يعلم أن الرجوع إلى الحق فضيلة، بل هو رأس الفضائل»(1).

ومن ثمار التواضع أيضا احترام الباحث آراء الآخرين وتقديرها،حتى وإن كانت متعارضة مع رأيه، فلا يدفعه الاعتداد برأيه إلى احتقار الآخرين والسخرية منهم، وتحقير آرائهم وأفكارهم، حتى وإن تبين له خطؤها، فإن عليه أن يعالج هذا الخطأ بتواضع وأدب رفيع.

وهكذا ينبغي « على الباحث أن يلتزم بأدب البحث ويتحلى بتواضع العلماء، حتى يتجنب الزلل في المتاهات التي تنافي روح البحث ولا تتفق مع وروح الباحثين.

 ومن ثم يتجنب الباحث الغرور العلمي الذي يقوده للحط من آراء غيره ، والزراية من نتائج سابقيه أو النيل من شخصياتهم وأعمالهم - حتى ولو كان صائبا في عرضه ونقده - لأن هذا يهبط بعمله ويحط من قيمته ، ويقلل من شأنه وينفر من متابعة بحثه» (2).

-----------------------------

(1) السابق ص۱۹، ۲۰.

(2) البحث الأدبي ، د/ السيد أبو ذكرى ، ص۲۷.



قد يعجبك هذا أيضا :
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-