أثر الترجمة والتأليف في النهضة الأدبية في العصر الحديث

 

خامسا : الترجمة والتأليف:

تعد الترجمة بمثابة الدم المغذي للفكر الإنساني وهي علي الرغم من أهميتها لهذا الفكر بشكل عام فإنها أكثر أهمية بالنسبة للأدب والأدباء فآداب الأمم والشعوب هي الغذاء الذي يعيش عليه الأديب المتفتح - كالنحلة تماماً - ليخرج لنـا مـن بـاطن فكـره وإبداعـه أدبـاً فـيـه لـذة للإنسان بعد أن يهضـم ويستوعب ما اطلع عليه من هذه الآداب.

والترجمـة نشاط إنساني قديم ازدهر في عصور وانزوى في عصور أخرى وعمليتا ازدهاره وانزوائه ترتبطان أساساً بحج النهضة التعليمية من جانب وانفتاح هذا المجتمع أو ذاك علي الآخر من جانب ثان.

الترجمة في عصر الخديوي إسماعيل  :

** ففي مصر سيطرت اللغة التركية حتى عصر الخديوي إسماعيل الذي سعي إلي ( تمصير) الحكومة ولغتها حتى يتمكن من الانفصال عن الدولة العثمانية آنذاك لذلك أصدر أمرأ يجعل صور اللوائح والأوامر وكل ما سبق صدوره من اجراءات منذ عهد محمد علي باشا باللغة العربية وطبع هذا كله فمـا كـان بالعربية طبع كمـا هـو ومـا كـان بالتركية طبع مع ترجمتـه إلـي العربية.

الترجمة في عهد كل من الخديوي عباس وسعيد وحال التعليم  :

** وقد ظلت التركية مسيطرة ـ مع ذلك ـ في عصر إسماعيل لأسباب أهمها قلة هؤلاء الحاذقين للعربية وبخاصة بعدما أصاب التعليم من ركود في عهد كل من الخديوي عباس وسعيد كما أن ترجمة هذه اللوائح والأوامر يستلزم وقتاً طويلاً ** لكن الأمر المؤكد هو أن التركية أخذت في الانزواء لتحل محلها العربية تماما في أواخر عهد إسماعيل.

عوامل ازدهار الترجمة في عصر الخديوي إسماعيل  :

1* ونظرا لتزايد النفوذ الأجنبي في ذلك العهد وكثرة الوافدين إلي مصر وبخاصة بعد افتتاح قناة السويس ظهرت الحاجة إلي الترجمة وبرز الاهتمام بها واضحاً جلياً 2* وكان من الطبعي أن تكون الفرنسية هي اللغة الأجنبية الأولي ـ آنذاك ـ التي توجـه أنظار المترجمين إليها فهي اللغة التعليمية الأولي للمبعوثين.

3* وقد نهضت الترجمة بشكل خاص حينمـا أعيدت مدرسة الألسـن عـام 1868م حيث أشرف عليها تلاميذ رفاعة الطهطاوي كما تولي رفاعة نفسه رئاسة قلم الترجمة وأسهم في تعريب القانون الفرنسي مع آخرين . 

4* ومع أن التركيز في مجال الترجمة منذ أوائل عهد إسماعيل قد انصب علي المجالات المتعلقة بالعلوم المختلفة كالهندسة والطب وغيرها لحاجة البلاد إليها إلا أن مجموعة من تلاميذ الطهطاوي قد اهتمت بالترجمات الأدبية.

ومن أبرز المترجمين الذين أثروا العربية بترجماتهم محمد عثمان جلال وكـان مـن تلاميذ رفاعة الطهطـاوي وتولى منصب القضاء في المحاكم المختلطة حتى عام ١٨٨١م وكـان أديبـاً فـذا يمثل الروح المصرية تمثيلاً صادقاً وتأثراً علـي الأدب التقليـدي وأشهر كتبـه التـي عكست شخصيته: العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ ، 

وترجم فيه أمثال الشاعر الفرنسي لافونتين شعرأ وضمنه كثيراً من الأمثال العامية وكان لهذا الكتاب تأثير كبير في أدب الأطفال الحديث كما ترجم محمد عثمان جلال روايات الأديب الفرنسي راسين وربما يؤخذ عليه ميله إلى اللغة الدارجة أكثر من ولهذا تأويلات عديدة ليس هذا محلها (۱) .

وممن اشتهروا بالترجمة في تلك الحقبة في مصر خليفة محمود الذي ترجم كتاب( إتحاف الملوك الألبان بتقديم الجمعيات في بلاد أروبا ) وكتاب ( إتحاف ملوك الزمان بتاريخ الإمبراطور شرلكان ) ...

 وكذلك محمد أحمد عبد الرازق الذي ترجم كتاب ( غاية الأدب في خلاصة تاريخ العرب ) للمؤرخ الفرنسي سيديللو وبشـارة شـديـد الـذي تـرجم روايـة ( الكونت دي مونت كريستو ) لدوماس (۲) .

أمـا فـي الشـام فـقـد كانوا اللبنانيون من أول المبادرين لتخصيب الأدب بالمعارف والعلـوم والأفكار المقتبسـة عـن آداب الغرب إذ كانوا يجيدون العديد من اللغات كاللاتينية واليونانية والفرنسية والإنجليزية والأسبانية والروسية وغيرها.

 ** وقد تعددت إسهامات اللبنانيين والسوريين في الترجمات نطاق بلادهم حيث ترجموا في مصر بعض الأعمال المسرحية ومن أبرز هؤلاء سليم النقاش وأديب إسحق ويعقوب صنوع.

** وقد نشرت ( المقتطـف ) العديد من الترجمـات ليعقوب صـروف كما نشرت الهـلال لجرجـي زيـدان كثيـراً مـن البحـوث العلمية والاجتماعيـة المترجمة مما كان له أكبر الأثر في تغذية الروح العلمية آنذاك.

----------------

(۱) للمزيد : انظر عمر الدسوقي ، مرجع سابق ، ص 103 وما بعدها

(۲) المرجع السابق ، ص ۱۱۲.

تاريخ الأدب العربي الحديث

------

وشهدت لبنـان نهضـة في مجال الترجمـة ومـن أبـرز مترجميهـا المعلـم بطرس البستاني الذي ترجم قصة ( وبنصن كروزو ) عام ١٨٦١م وكذلك (سياحة المسيحي ) لجون بنيان عام ١٨٧٠م وهي مع سابقتها ذات أغراض تبشيرية ...

 كما باشرت المطبعة الإنجيلية بنشر(التوراة) التي قام بترجمتها إلي العربية عالي سمث المستشرق الأمريكي مما دفع اليسوعيون إلى ترجمة التوراة بأسلوبهم فكلفوا إبراهيم اليازجي بذلك حيث انتهي من هذه الترجمة عام ١٨٨٢م.

وإذا كانت الترجمـة قـد لعبت دورهـا فـي النهضة العربية في العصر العباسي فإنها عادت لتلعب هذا الدور مرة أخري في هذا العصر وتحديداً في القرن التاسع عشر الميلادي.

ويرجع الفضل في امتلاك اللبنانيين لآليات الترجمة ولغاتها إلى المدرسة (عين ورقه) التي كانت تعلـم سـت لغات أجنبية منذ القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر وهذا ما جعل للبنان الريادة في مجال نقل الفكر الغربي إلى الشرق وفي نفس الوقت نقل الفكر العربي إلى الغرب إذ ترجم الحـاقلي والسمعاني والحصـروني أعمـال بعـض الفلاسفة العـرب إلـى اللاتينية(1) .

ويري الدكتور شفيق البقاعي أن الترجمة في لبنان قد أسهمت في ملء الفراغ الناجم عن الجدب العقلي والفكري اللذين خلفهما عصر الانحطاط كما يشير إلى أن ثمة سيئات للترجمة آنذاك بالإضافة إلى حسناتها وقـد تمثلت هذه السيئات في إعاقة حركة التأليف إذ حلت الاتكالية محل الإبداع ...

-----

(۱) انظر شفيق البقاعي ، ص 140.


فشح العطاء وقل الإنتاج وانساق الأدباء وراء النقل والاقتباس حتى قيل إن القرن التاسع عشـر كـان عصـر ترجمـة وأن مـن نتـائج ذلـك نقـل الأدب الرخيص الذي أصبح تجارة رابحة لأصحابه.

وقائمة المترجمين والأعمال المترجمة في لبنان أطول من أن نذكرها هنا إلا أننا نشير إلى أبرز الأسماء وأهم ترجماتهم فقد ترجم الأب نقولا أبو هنا أشهر أشعار لافونتين وترجم جبران نحاس مختارات للشاعر نفسه وترجم بخيت حـداد السيد لكوراني وترجم حبيب إسحق أند روماك وترجم فرح أنطون بـول فرجني والكوخ الهندي ...

 وأتالا وتاريخ المسيح وترجم مـارون قاش رواية البخيل لموليير كما ترجم كل من أمين حداد ونقولا فياض وشبلي الملاط وخليل هنداوي وإبراهيم النجـار وصلاح الدين المنجـد وغيرهم، العديد من الأعمال الأدبية الفرنسية التي صدرت في القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين.

كما برز من اللبنانيين الذين ترجموا عن الإنجليزية كل من: نجيب الحداد وخليل مطران، وسامي جريديني ومن الذين ترجموا عن الألمانية : إلياس الحداد، وحسن صادق، وسليم سعده وغيرهم (1) .

ويمكن إيجاز آثار حركة الترجمة والتعريب في النهضة الأدبية في إيجاد فنون جديدة مثل القصة القصيرة والمقالة والمسرحية كما أنها عرفتنا علي المذاهب الأدبية الغربية كالكلاسيكية ونحوها ووجهت الدارسين إلى منهج التفكير العلمي والطابع التحليلي والنظرة الموضوعية وأسهمت في سلامة ...

-----

(۱) انظر شفيق البقاعي ، مرجع سابق ، ص 144 ، ص 145 .

تاريخ الأدب العربي الحديث

-----

الأسلوب لدى الأدباء العرب كما تعرف العرب عن طريق هذه الترجمات علي العوالم الأخرى وأفكارها ومبادئها (1) .

الموضوع السابق :


تعليقات