أهم متطلبات النقد الأدبي وإجراءاته ، النقد الأدبي القديم الفرقة الثالثة عامة 2023


أهم متطلبات النقد الأدبي وإجراءاته

أهم متطلبات النقد الأدبي وإجراءاته ، النقد الأدبي القديم الفرقة الثالثة عامة 2023


مدخل إلى الدرس :

قراءة أي أثر أدبي إنما تهدف إلى تحليله وشرحه وتفسيره، والحكم عليه، إلا أن هذه القراءة لم تعد أمرا يسيرا، فإن لها أصولها وقواعدها وأدواتها وشروطها، ومتطلباتها وإجراءاتها.


متطلبات النقد الأدبي :

 تتمثل المتطلبات في الأدوات: الذوق، والتخصص، والدربة، والثقافة، وبيانها على النهج الآتي:


الأداة النقدية الأولى: الذوق:

مما يتكون الذوق ؟

هذا الذوق ليس ملكة يسيرة بل هي مركبة من أشياء كثيرة يعود بعضها إلى قوة العقل وبعضها إلى قوة الشعور (1). 


(1) النقد الأدبي، أحمد أمين ج1 ص ۱، والنقد المنهجي عند العرب ، د/ محمد مندور ص10 .


تنمية الذوق ؟

هذا الذوق لابد من أن يصقل بالثقافة التي تعين الناقد على إصدار حكم سليم، وإذا كان الذوق الشخصي ضرورة للناقد لايستطيع أن يحكم على النص بدونه، فإن الثقافة بضروبها المختلفة وفروعها المتعددة تعين الناقد على تصور كامل للنص الأدبي، فيستطيع حينئذ الكشف عن خباياه، والتعرف على أبعاده.

مفهوم الذوق ؟

والذوق هو عدة الناقد وأداته.

 ويقصد به :  الاستعداد الفطري لدى الناقد، والذي يصقل بثقافة منوعة وإطلاع واسع.

 وقيل : إنه ملكة أو قوة يقدر بها الأثر الأدبي .

أو هو الاستعداد والفطرة المكتسب الذي يساعد على تقدير الجمال والاستمتاع به ومحاكاته (2).


(2) النقد الأدبي ، د/ سعد ظلام ص ۹، والنقد الأدبي في أطوار تكوينه عند العربن، د.محروس منشاوى الجالی ص ۲۸.


آراء النقاد حول الذوق ؟

وقد اختلف النقاد حول الذوق، أفطری - شأنه في ذلك شأن المواهب الفنية الأخرى كالشعر والموسيقى وغيرها من الفنون التي تتطلب طبعا وموهبة - أم مكتسب يعتمد في تكوينه على معارف الحياة وثقافتها؟ 

يذهب بعض الباحثين :  إلى أنه موهبة واستعداد لدى الناقد شأنه في ذلك شأن أية موهبة من المواهب الفنية الأخرى كالنحت والرسم والتصوير وغيرها من الفنون التي تحتاج إلى طبع وفطرة وموهبة واستعداد طبعي لتلك الفنون.

ويذهب البعض الآخر:  إلى أنه ليس فطريا بل هو مكتسب يحرزه الإنسان من شتی معارف الحياة وثقافتها وبأي لون من ألوان التلقي وبأي طريق من طرق التثقيف.

الواقع أنه : لا يستغني عن الأمرين معا، فالموهبة ضرورية في عملية النقد لاغنى عنها ولايصح النقد إلا بحاستها المرهفة ولمحاتها الذوقية، ولكن يصقل الموهبة ويشحذ القريحة الوعي الذكي بثقافة العصر والدراية بما يجري في محيطه الفني من تيارات ومذاهب ومدارس ومناهج وأساليب محدثة فيه وقديمة.

فلابد إذا في الذوق النقدي من الأمرين معا : من الفطرة ويراد بها تهيؤ الناقد لأن يكون ذواقا لجمال الفنون وهو مايقصد به صفاء القريحة وأصالة الطبع، ومن الاكتساب ويراد به تعهد هذا الذوق الجمالي وصقله بالمعارف  الإنسانية والدراية الأدبية الخالصة حتى 

يتبلور بشتي فنونها وأنماطها، فيصير وسيلة من وسائل المعرفة وسبيلا معبدة يسلكها القارئ حيث تقضي به إلى التعرف على مواطن الجمال والاستمتاع بها استمتاغا لايختلف في جملته عن إحساسه هو بالمتعة وتذوقه للفن العربی (1).


أنواع الذوق :

الذوق العام والخاص

الذوق نوعان: ذوق عام وذوق خاص.

 ويراد بالذوق الخاص: ملكة الناقد وإحساسه الفطري، وقال عنه بعض النقاد: هو ما كان مظهرا ومرآة صادقة لصاحبه لاتعکس سواه، ويراد بالذوق العام : حصيلة التكوين الفكري والثقافي لدى الناقد. 

خلاف النقاد :

وهناك خلاف بين النقاد المحدثين حول استخدام الذوقين العام والخاص في النقد، أي الذوقين نحكمه في عملية النقد: العام أم الخاص؟


ذهب بعض النقاد ومنهم الدكتور أحمد ضيف :إلى الاحتكام إلى الذوق العام في النقد وحده لأن الذوق الخاص يؤدي بالناقد إلى التعصب أو الميل، وأما الذوق العام فله أثره في التقريب بين الأذواق الخاصة، كما أن له أثره في التقريب بين الأحكام على الأدب (2).


(1) النقد الأدبي. د/ سعد ظلام ص ۹، ص ۱۰.

 والنقد الأدبي. د/ محروس منشاوی ص ۳۱.

ومذاهب النقد وقضاياه. د/ عبدالرحمن عثمان ص ۵۲، ص۵۳.


(2) نشأة النقد الأدبي الحديث في مصر. د/ عز الدين الأمين ص 345.


الرد عليه : لكن هذا الرأي وإن كان يؤدي إلى إصدار حكم سليم على النص الأدبي إلا أنه يسلب الناقد حقا من حقوقه ألا وهو ذوقه الشخصي الذي لايصح أن نقلل من شأنه أو أن نهمله ونتركه.

 وذهب بعض النقاد ومنهم العقاد : إلى الاحتكام إلى الذوق الخاص في النقد، لأن الذوق العام ليس له دور يذكر في عملية الإبداع الفني، إذ أنه يأتي للناقد عن طريق تحصيل الثقافة والمعرفة، وهذا بخلاف الذوق الخاص الذي يحتاج إليه الناقد ويعتمد عليه في نقل إحساسه بما في النص الأدبي من وجوه جمال أو مواطن رداءة (1).

والرد عليه : هذا الرأي يحرم الناقد الأدبي من النظرة الفاحصة الشاملة للنص الأدبي، إذ كيف يقتصر الناقد على ذوقه الشخصي دون أن تكون لديه الثقافة والمعرفة التي تعينه على فهم النص الأدبي 

من حيث التعرف على نفسية الشاعر والظروف التي قال فيها نصه الأدبي ...

والظروف الاجتماعية والسياسية التي مر بها الأديب لحظة إبداعه، والثقافة التي أعانته وساعدته في إظهار نتاجه الأدبي على صورته، كل هذه الأمور لايمكن للناقد أن يعلمها أو يصل إليها إلا بالدراية والمرانة والإطلاع والثقافة الواعية والتحصيل الفكري والعلمي والأدبي وهو ما يعبر عنه بصقل الذوق الخاص بالذوق العام.

وذهب كثير من النقاد ومنهم الدكتور طه حسين : إلى الاحتكام إلى الذوقين معا في عملية النقد، لأن الذوق العام يعطي الحياة الفنية حظا من الموضوعية، والذوق الخاص يعطيها حظا من الذاتية، فالحياة الفنية مزاج منهما، ولا غنى للناقد عن واحد منهما (2).

وهذا الرأي : أقرب إلى الصواب لأنه يرى أن الذوق العام ضروري في عملية التبصير بآراء النقاد ومعرفة اتجاههم وفكرهم، وأن الذوق الخاص ضروری كذلك في عملية الثراء النقدي.


(۱) شعراء ، مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي لعباس محمود العقاد ص 167.

(۲) حافظ وشوقي. د/ طه حسين ص ۳۲.

 الجمع بين الذوقين :

وقد أطلق النقاد على الجمع بين الذوقين بما يسمى بالذوق المدرب أو المثقف أو المعتد به في النقد وهو الذوق الذي يستمد من التراث عناصر حياته وينهل من العصر ثقافته، وهو الذوق المعلل في حدود الممكن.

شواهد تدل عليه :

1- ذلك الذوق الذي يرى أن أبا تمام عندما يصف امرأة ملطومة الخدين بالورد قد أتي كما يقول الآمدي بالحمق أجمعه ،

 يقول أبو تمام (3):

 ملطومة الخدين بالورد أطلق طرفها ** في الخلق فهو مع المنون محكم


 فقد وصف أبو تمام حمرة الخدين في حسنها بورد أحمر يلطمها، وهو قبيح، إذ شوه منظر الحسن باللطم.


 2- ومثله قول أبي نواس :

تبكي فيذر الدر من نرجس ** ويلطم الورد بعناب

فقد شوه أبو نواس الصورة الحسنة باللطم كذلك، والفرق بين الصورتين إنما هو في الملطوم به، فبينما هو عند أبي تمام ورد نراه عند أبي نواس عنابا هذا بالإضافة إلى ما في بيت أبي تمام من ربط نظرة الحبيب بالمنون وهو أمر يأباه الذوق.


ومما تقدم يتضح لنا أن الاستعداد القوي والميل الشديد إلى الأدب وفهمه ينتهي بصاحبه إلى درجة من التذوق الأدبي،

 فإذا اكتفى المتذوق بصفاء طبعه وتوقد ذكائه وحدة قريحته وفطنته فهو حينئذ صاحب ذوق شخصی، وإذا أراد أن يرقى بذوقه الشخصي فعليه أن يصقل طبعه ويشحذ ذكاءه، ويحد قريحته وفطنته بثقافات عميقة لها اتصال وثيق بالأدب والنقد.

(3) النقد المنهجي عند العرب. د/ محمد مندور ص 15.

ما العيوب التي وجهت إلى الذوق النقدي :

والذوق الأدبي قد يصدق في حكمه، وقد يخطئ، وهذا مما دفع بعض النقاد حديثا إلى أن يعيب النقد الذوقي بأمرين (4):

أولهما: عدم وجود منهج منظم محدد له يسير على هدية أو فلسفة خاصة ينطلق منها ويعمل في حدودها .

ثانيهما: عدم التعليل المفصل للحكم.

تفاوت الأذواق لدى النقاد

تتفاوت الأذواق لدى النقاد وتختلف على الأثر الأدبي الواحد، وذلك لأن الذوق الأدبي عند الناقد لايعتمد على شيء من المقاييس أو الأصول أو القواعد التي تعطي نتائج محددة، وهذا التفاوت وذاك الاختلاف راجع إلى اختلاف البيئة والثقافة والعصر وموهبة الناقد، وغير ذلك مما يكون له أثر في اختلاف الحكم على النص الأدبي.


المصادر والمراجع


-------------------

(4) النقد المنهجي عند العرب ، د.محمد مندور ص17.

-------------------

 الموضوع السابق :

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-