عوامل النهضة الأدبية ج1 ، تاريخ الأدب العربي الحديث ، ‏الفرقة الرابعة عامة 2022

عوامل النهضة الأدبية في العصر الحديث

عوامل النهضة الأدبية ج1 ، تاريخ الأدب العربي الحديث ، ‏الفرقة الرابعة عامة 2022


معلومات إثرائية :

ينبغي - ومن البداية - أن نعرف ـ كما ذهب كثير من النقاد والمؤرخين - أن بداية عصر النهضة قد تحدد بدخول الفرنسيين مصر بقيادة نابليون سنة ١٧٩٨ م .

 فقد جاءت الحملة الفرنسية لتمثل أول احتكاك مباشر بين مصر والحضارة الغربية بعد عزلة دامت كثيرا فرضها العثمانيون على مصـر والبلاد العربية، وكانـت مـن أهـم الأسباب التي أدت إلـي ضـعفها وتخلفها.

أما السبب في ارتباط النهضة بهذا العصر هو أن الأدب العربي - شعره ونثـره امتلـك أسـباب نهوضـه ـ في جوانبـه كـافـة .. سـواء فـي موضوعاته أم في أفكاره وصوره وأساليبه ولغته ، فصار أدبا قويا مزدهرا يختلف فـي شكله ومضمونه عن الأدب في العصر السابق عليه، والذي ارتبط بالضعف والركاكة.

شكلت كل من مصر ولبنان نقطة انطلاق للبعث الأدبي والإحياء الحضاري الذي كان بمثابة الشرارة التي أشعلت مصابيح النهضة في العالم العربي ، قاطبة ، وقد اشترك القطران في عوامل انتقلت بهما من ظلام دامس ...

 إلى فجر مضيء ، فكانا مصدر العطاء ، ولهما شرف الريادة ، وعندما ضاقت السبل براود النهضة الشامية ، وبخاصة من لبنان وسوريا ، اتخذوا من مصر مقرا علمياً وحياتياً لهم (1) .

وإذا كانت النهضة الحديثة في لبنان قد جاءت فردية ، وبتأثر واضح من الإرساليات الأجنبية ذات النفوذ العلمي الواسع ، فإن النهضة المصرية كانت ذات طابع حكومي من قبل قادة البلاد الذين دفعوا الناس إلى طريق العلم ، لذلك تأثرت هذه النهضة بوفاة زعميها محمد علي باشا ، وأصابها ، الركود حتي عهد الخديوي إسماعيل ، 

بينما استمرت الحركة العلمية في بيروت ، حيث زودت مصر بعدد كبير من رواد العلم والفـن والصحافة مـن أمثـال مـارون النقـاش ، ويعقـوب صـروف ، وأحمـد فارس الشدياق ، وغيرهم .

وفيما يلي نعرض لأهم عوامل النهضة العربية الحديثة وتأثيرها علي الأدب العربي .

---------------

(1) شفيق البقاعي : مرجع سابق ، ص ۲۰ - ۲۱ .

---------------

أولا : - التعليم

حال التعليم في عهد الخديوي إسماعيل :

ما لبثت النهضة التعليمية التي أشرنا إليها في عهد محمد علي باشا أن انتكست بعد وفاته ، حتي جاء الخديوي إسماعيل وتولي السلطة في مصر عام ١٨٦٣م ،  1 * ولم يكن في البلاد آنذاك إلا مدرسة ابتدائية واحدة ، ومدرسة حربية ، وأخـري طبيـة ، وثالثة للصيدلة ،     2 * كما توقفت البعثات ، ولم يعد للعائدين منها من عمل يؤدونه ، إلا أن إسماعيل كان ذا طموح ،

 وسار على خطى جده محمد علي باشا ، فانتعشت الحركة التعليمية ، وعادت البعثات لتزدهر ، 3* وأعيدت المدارس العالية التي افتتحهـا محمد علـي فـي عهـده ، وافتتحت مدارس عالية أخرى أبرزها مدرسة الحقوق ، التي لعبت دورا كبيرا في النهضة اللغوية والأدبية ، بل وفي الحياة السياسية في البلاد ، 4*  كما أنشئت في عهد إسماعيل ...

مدرسة دار العلوم عام ١٨٧١م ولعبت دورها في حفـظ العربية وآدابهـا وتراثهـا ، 5* وأنشئت كـذلك أول مدرسة للبنـات عـام ۱۸۷۳كانت بداية لانتشار تعليم البنات في البلاد 6 * وشهدت مصر العديد من المدارس الصناعية والخصوصية ، وزاد عدد المدارس الابتدائية وأنشا الأقباط في مصر اثنتي عشرة مدرسة للبنين ومدرستين لتعليم البنات (1) .

لقد كان الخديوي إسماعيل مفتونا بالحضارة الأوربية منذ ان كان يدرس في إحدي بعثات جده محمد علي إلي باريس ، وبغض النظر عن دوافعه وراء اهتمامه هذا بالتعليم ، فأنه قد أسهم في إعادة الحياة إلي ما بدأه جده من مشاريع تعليمية ، 

وساعد علي نشر التعليم ، الحديث آنذاك ، وعي طائفة من المثقفين بأهمية الجهود الأهلية في هذا المجال ، إذ تألفت جمعية سميت باسم " اتحاد الشبيبة المصرية" عام ١٨٧٩م دعت إلـي إنشـاء المـدراس لتعليم أبناء الشعب ، وانعكس ذلك كله علي اتساع حجم طبقة المثقفين ، وإنماء الوعي في البلاد (2).

--------------------

(۱) للمزيد انظر : عمر الدسوقي : مرجع سابق ، ص 69 ، وما بعدها .

(۲) للمزيد انظر : أحمد هيكل مرجع سابق ، ص 45 - 46 .


أما في لبنان  * التي لعبت مع مصر دوراً بارزا في نشر الوعي السياسي التحرري وإتاحة المجالات للرواد السياسيين والمثقفين المتمردين علي حكم السلطان العثماني باللجوء إلى أراضيها ، * فقد كان لها دور بـارز كـذلك ؛ بعث النهضة الحديثة ، نتيجة عوامل ومبادرات فردية من جانب ، وبتأثير الإرساليات الأجنبية من جانب آخر .

وكانت لبنان تفتقر إلي كثير من دور العلم والمدارس الراقية في عهد حكم الأتراك العثمانيين ، وكانت الجهود الأجنبية في هذا المجال ذات طابع ديني تبشيري استعماري ، مما دعا البعض ،

 من أمثال بطرس البستاني ، إلى تأسيس أول مدرسة وطنية في الشرق اسماها ( المدرسة الوطنية ) عام ١٨٦٠م سعي فيها الي نشر العلم ، ودعا إلى تحرير المرأة ، والتخلي عن التقاليد البالية (1) .

 كمـا أصـدر عـدة صحف لتوعيـة النـاس ، منهـا : " نفيـر سـوريا " (1860م) و " الجنـان " ( ١٨٧٠م ) و " الجنـة والجنينـة " ( ۱۸۷۱م ) حيث شارك العديد من رجال الأدب في إثرائها بالمقالات والموضوعات التي أسهمت في النهضة الأدبية ، بل وفي بزوغ فجر القصة العربية . 

ولا يخفي دور المدارس التي أنشأتها الإرساليات الأجنبية – بغض النظر -عما ترمي إليه الإرساليات من وراء هذه المدارس منذ القرن السادس عشر الميلادي، في حراك علمي بين طبقات بعينها في المجتمع الشامي،

 * وقد توزعت هذه المدارس علي المناطق اللبنانية بحسب تواجد نفوذ الأجانب من جانب، ومدى تجاوب الناس للتبشـير مـن جـانـب آخـر، فكـانـت مـدارس الكاثوليك واليسوعيين والإنجيليين.

----------

(۱) شفيق البقاعي : مرجع سابق ، ص 105 .


وعن هذه المدارس الأجنبية يقول أحد المؤرخين لها (۱) : ( إن إنشـاء تلـك المـدارس كـان يـهـدف منـذ 1840 إلـي خلـق طائفـة بروتستنتية لبنانية سورية لا تقتصر علي تجنيد بعض المسيحيين لها في بعض المدن، 

بـل قـدمتهم إلى مواقع المسلمين والدروز، وكانت الأموال تتدفق علي مبشريهم فيوزعونها بكرم حاتمي علي المهتدين الذين يرسلون أولادهم ليتعلموا في مدارسهم وفي انكلترا نفسها).

وبغض النظر عن هذه الأهداف، فإن نشر المدارس ودور التعليم في لبنان، قد أدى-ولو بشكل غير مباشر – إلى تغير في المفاهيم، وتطور في أشكال الأدب المحدودة آنذاك، بل ان ما يشهده لبنان الآن، ليس الا امتدادا طبعيـا لـمـا غرسته بذور التعليم في هذا القطر في القرن التاسع عشر، 

ويكفي أن نعلم أن مدارس الإرساليات-إنجليزية وأمريكية وفرنسية وروسية ودنماركية وإيطالية وألمانية-في سوريا ولبنان قد بلغ عددها عام ١٨٨٣م ما يربو علي 1473 مدرسة، تضم نحو ٦٢٥٦٦ طالبا وطالبة من مجموع سكان البلدين البالغ عددهم آنذاك نحو مليوني نسمة (٢) .

يمكن إيجاز آثار النهضة التعليمية في الأدب في الخروج من عهود التخلف والأمية، إلى عهود التقدم والمعرفة، والتقارب الثقافي بين الأقطـار العربية، والاتصال بركب التقدم العلمي في العالم المعاصر، بالإضافة إلى توسيع القاعدة القارئة والمثقفة، وهي الطبقة المنتجة للأدباء والمبدعين (3) .

---------------

المصادر والمرجع :

(۱) المرجع السابق ، ص 114 .

(۲) شفيق البقاعي : مرجع سابق ، ص ١٢٤ ، ص ١٢٥ .

(3)  حسين علي محمد ، الأدب العربي الحديث ، الرؤية والتشكيل ، مكتبة الرشد ، الرياض ، ط 4 ، ۲۰۲ ، ص ۱۳ .

الموضوع السابق :



قد يعجبك هذا أيضا :
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-